محمد سعيد رمضان البوطي

336

فقه السيرة ( البوطي )

ومن الواضح أنه يستثنى من عموم ما ذكرناه ، ما إذا خرج الذاكر عن طوره بأن سيطرت عليه حال لم يملك معها شعوره وزمام نفسه ، إذ لا يتعلق به حكم تكليفي في ذلك الطور ، وعليه يحمل ما قد قيل من أن العز بن عبد السلام نفسه قد هاج مرة فقام يقفز ، إذ كيف يفعل ذلك باختيار وقصد وهو صاحب النص الذي نقلناه عن كتابه « 1 » ؟ . 3 - ( المنافقون : طبيعتهم ومدى خطورتهم على الإسلام ) : نال أمر هذه الغزوة من حديث كتاب اللّه عنها وتعليقه عليها ما لم تنله أي غزوة أخرى ، وإنك لتقرأ عنها في سورة التوبة آيات بل صفحات كثيرة ، وتركز معظم هذه الآيات على بيان أهمية الجهاد بالنفس والمال في سبيل اللّه وأنه الدليل الوحيد على صدق إسلام المسلم ، وأنه أهم فارق بين المؤمنين والمنافقين ، وأن على المسلمين - إذا كانوا مسلمين - أن لا يركنوا إلى الدعة والراحة وأن يستهينوا بما قد يتعرضون له من عذاب وشدة في سبيل اللّه ، تعالى ، كما أطالت في الحديث عن المنافقين وفضح نواياهم والخفيّ من مقاصدهم . والدرس الذي في ذلك هو بيان خطورة أمر النفاق والمنافقين على المسلمين في كل عصر ، وإيضاح أن الإسلام دعوى لا بد أن يصدقها الجهاد والتعرض للمحن ، حتى يتميز الصادق عن الكاذب ، ويمحّص إيمان المؤمنين عن دجل المنافقين ، ولقد كانت تبوك أعظم مادة لهذا الدرس القرآني ، إذ كان اختبار المسلمين بها أعظم اختبار إلهي كشف اللثام عن النفاق في المدينة وميّز المنافقين عن المسلمين الصادقين أعظم تمييز ، ثم نزلت الآيات المتوالية في كتاب اللّه تعالى تضبطهم بجرائمهم وتعلن للمسلمين سرائرهم وتحذرهم منهم في كل زمان ومكان . فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ( 81 ) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 ) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( 83 ) [ التوبة : 81 - 83 ] .

--> - يحاسب المتصوفة خصومهم على ما يرونه عندهم من تطرف وغلو ، ولا يحاسبون أنفسهم على ما يتلبسون به هم من الغلو والبدع التي لا وجه في الإسلام يسوغها ! . أفهذا هو الحق الذي ينبغي أن يكون ؟ . . إن الغلو في الأمر لا يأتي إلا من غلو آخر يقابله فمن أراد الانتصار لدين اللّه وهدي رسوله فليقطع دابر كل غلو واختراع وبدعة ، فإن ذلك خير علاج لما قد يوجد من غلو معاكس لدى الآخرين . ( 1 ) انظر كتاب كف الرعاع : 48 على هامش الزواجر لابن حجر .